نظرية السلطان قابوس في السياسة الخارجية .. العلاقات العُمانية الإيرانية

أثير – ناصر أبو عون

 

انطلاقا من أدبيات و(مفاهيم علم السياسة الدولية) التي تنظِّر للعلاقات الخارجية وحسابات (فلسفة التاريخ)، وتنظيرات (منطق الجغرافيا) تشكل العلاقات (العُمانية – الإيرانية) (حالة خاصة) في العلاقات الخارجية ونحاول هنا تحليل ديناميكية العلاقات العمانية الإيرانية من منظور (فلسفة النظرية) في مناهج العلوم السياسة اتكاءً على مسارات التعاون والمصالح المشتركة بين البلدين.

العلاقات الايرانية العمانية
العلاقات الايرانية العمانية

قاعدة السلطان قابوس

منذ سبعينيات القرن الفائت والسلطان قابوس بن سعيد المفدَّى يقود مدرسة جديدة في العلاقات الدولية المعاصرة مبنية على مبدأ واحد يذهب إلى أن (العالم يسير نحو التعاون المتعدد الأطراف، وأن الحواجز الجغرافية والسياسية سوف تزول شعوب وسكان العالم الجديد).

 وتأكيدا على ريادة جلالته لهذا (التيار الجديد) في مناهج السياسة الدولية المعاصرة فقد طرح جلالته هذه الفرضية النظرية في حوار أجراه مع مجلة [ميديل إست بولسي] في نوفمبر 1995م. بقوله (إن العالم يتضاءل وينكمش، وأنا واثق تماما أن جميع البلدان يجب أن تسير وفق هذه القاعدة، وتحاول أن تفهم بعضها البعض، وتتعاون في ما بينها، وتعمل جنبا إلى جنب لخير البشرية جمعاء). وهذا ما أكدته الدراسات الوصفية للعلاقات الدولية حول العالم في السنوات الأخيرة حيث شهدت بوادر واعدة تؤكد أن (النزاعات الدولية) صارت من الحماقات المارقة وغير المسؤولة وأن الخلافات بين بلدان العالم لا سبيل لإنهائها بالحرب ولكن عبر طريق واحد هو طاولة الحوار والمفاوضات الجادة.

دستور السياسة الخارجية

وانطلاقا من قاعدة السلطان قابوس المفدَّى في (إدارة العالم الجديد) والتي أشار إليها أيضا في أحد خطاباته التاريخية بقوله: (إننا جزء من هذا العالم نتفاعل مع ما يدور حولنا من أحداث بكل الإيجابية والوضوح ونكرس كل إمكانياتنا للمشاركة الموضوعية والفاعلة لخدمة قضايا السلام والتعاون على كل المستويات الإقليمية والدولية). ووفقا لهذا النطق السامي فقد وضع جلالته سبعة معايير تتخذها وزارة الخارجية والدبلوماسيين العمانيين دستورا للتحرك على المستوى الدولي والانفتاح على الآخر وهي:

 

1-   انتهاج سياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.

2-   احترام القوانين والأعراف الدولية.

3-   تدعيم العلاقات مع الدول العربية والوقوف إلى جانب القضايا العربية.

4-   دعم التعاون الإسلامي.

5-   الوقوف إلى جانب القضايا الأفريقية العادلة.

6-   انتهاج سياسة عدم الانحياز.

7-   إقامة علاقات ودية مع كل الدول الصديقة.

معادلة سياسية جديدة

 

تتجلى قوة السياسة الخارجية العُماني في التعاطي مع الملفات الإقليمية والدولية وخصوصا في قضايا المنطقة العربية بوجه عام والقضايا العالمية المثيرة للجدل في منطقة الخليج بوجه خاص بنجاحها في تثبيت قواعد معادلة سياسية جديدة تقوم على منهجية (التوفيق بين الاتفاق والخلاف) في معالجة العلاقات الدولية وهو ما يبرهن أن السلطنة استطاعت أن توظف (منطق الحكمة) في سياستها الخارجية وتخلق مواقف وأنماطا سياسية جديرة بالدراسة لما أكدته من حنكة وخبرة ورؤية بعيدة من جانب صانع القرار لمحيطه الخارجي‏.‏

 

وقد أشار جلالته لمعالم هذه المعادلة الجديدة في خطابه السامي بقوله: (إن سلطنة عمان تؤكد على أهمية التفاهم للوصول إلى صيغة متفق عليها للتعاون بين دول منطقتنا، ويهم عمان حكومة وشعبها أن تشهد منطقتنا استقرارا وأمنا دائمين يمهدان لها السبيل لتثبيت دعائم التنمية ودفع عجلتها إلى الأمام.. وأن سلطنة عمان تعرف، كما يعرف العدو، بأنها خط الدفاع الأول للمنطقة باعتبار موقعها الاستراتيجي وإنها المنفذ الرئيسي لها).

الانفتاح والخصوصية

إن الانفتاح نقيض الاستقطاب وهو (فكرة تعبر عن الإحساس بالقدرة على التعامل مع العالم الخارجي دون الخوف من الاستغلال أو العدوان على الهوية أو الثقافة المحلية أو التراثية)، والانفتاح على (الآخر) هو (الاشتباك معه في كل الأنشطة المشتركة).

وقد يبدو لغير المتعمِّق في دراسة السياسة الخارجية للسلطنة – وفقا لتعبير أحد الباحثين السياسيين- أن هناك نوعا من المحاذير على فكرة الانفتاح، ولكن الصورة الحقيقية مغايرة تماما ولكن الباحث في الثقافة العمانية وعلم الاجتماع السياسي سرعان ما يكتشف أن الانفتاح العماني على الآخر مغلَّف برغبة التمسك بخصوصية منفردة ترجع إلى الرغبة في مقاومة عملية الاستقطاب السياسي والأيديولوجي.

 

وقد وضع جلالته الأساس لفلسفة (الانفتاح) الذي تنطلق منها السلطنة للتعامل مع الملفات الدولية والأرضية التي تنطلق منها الخارجية العمانية في التحرك الفاعل على الصعيد العالمي والدولي في خطابه الذي قال فيه: (إننا نحرص دائما على أداء دورنا كاملا على الساحة الدولية وفقا لسياساتنا التي ننتهجها منذ البداية بكل الإيجابية والوضوح والتي تقوم على أساس من الإيمان الراسخ بمبادئ التعايش السلمي بين جميع الشعوب وحسن الجوار بين الدول المتجاورة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير والاحترام المتبادل لحقوق السيادة الوطنية).

 

وهذه الفلسفة تتبدى أكثر وضوحا في حديثه لصحيفة السياسة الكويتية عندما صرح بـأن (الدبلوماسية العمانية تحظي باحترام الجميع حيث تقوم علي الاحترام المتبادل والكل يوقن بأن الدبلوماسية العمانية هي دبلوماسية هادئة لا صخب فيها ولا نصب)‏، مؤكدا أن (السلطنة ليس لديها أي خلافات أو منغصات مع أحد إقليميا وعالميا حيث إنها دولة سلام)‏.‏

نمط العلاقات الدولية

 

على صعيد العلاقات الدولية والسياسات الخارجية تؤكد مناهج العلوم السياسية على وجود تفاعلات (ثنائية الأوجه) أو (تفاعلات ذات نمطين). أمَّا النمط الأول: فهو(النمط الصراعي) وهو الغالب في التفاعلات الدولية على الرغم من محاولة كثير من الدول التي تجنح إليه إخفاء أو التنكر لتلك الحقيقة.

 

وأمَّا النمط الآخر فيتمثل في: (النمط التعاوني) وهو الذي تتبناه سلطنة عمان من منطلق تقديراتها واستخدامها البرجماتي لمصطلح وتطبيقات (القوة الناعمة) في العلاقات الدولية وهو المفهوم الأكثر واقعية في العلاقات الدولية والذي يرى بأن القوة هي (المشاركة الفعالة في صنع القرارات المهمة في المجتمع الدولي) وهو ما يتيح لها إعادة صياغة العلاقات الدولية من منظور تحقيق (المصلحة الوطنية) وتحقيق مكاسب عديدة تهدف إلى: (حماية الحدود)، و(الأمن القومي للسلطنة)، و(صيانة المعاهدات)،وتحقيق تنمية مستدامة للوطن والمواطن) تؤدي في نهاية المطاف إلى الوصول إلى درجة من (الرفاهية) .

العلاقات العمانية الإيرانية

 

إذا ما حاولنا قياس السياسة الخارجية للسلطنة تجاه محيطها الإقليمي الضيق ومحيطها العالمي الأوسع على مسطرة (العلوم السياسية) فإننا سوف نتوصل إلى نتيجة مفادها أن (السلطنة تدير علاقاتها الدولية وفق [منهج التحليل في إطار التوازن] وهذا المنهج يشكل أساساً مقبولاً لتحليل العلاقات الدولية وفهمها من منطلقات عملية وواقعية وذلك بالنظر إلى أن كل الدولتحرص على تطبيق السياسات التي تؤمن لها الحصول على أفضل وضع ممكن في إطارالتوازنات الدولية القائمة كما أنها تعمل من أجل الإبقاء على التوازن باعتبارهالدعامة التي تحفظ للدول استقلالها وتبقي على تعددها داخل النظام الدولي.

 

 أمَّا على صعيد العلاقات التاريخية والثنائية (العُمانية الإيرانية) ووفقا لمنهج [التحليل في إطار التوازن] فقد نجح هذا المنهج في التوصل إلى العديد من النتائج الاستراتيجية وأوجدت حالة استثنائية في العلاقات الدولية قياساً بدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.

كان من أهمها:

 

1- رسخت العلاقات (العمانية الإيرانية) بزيارات على جميع المستويات (زعماء، ولجان مشتركة، وتوقيع اتفاقيات تجارية، وتعاون عسكري).

2- وصلت بحجم التبادل التجاري بين عمان وإيران  إلى 250 مليون دولار.

3- ضبطت إيقاع العلاقات الإيرانية وعدد من دول المنطقة والتي أدت إلى التهدئة والمزيد من الثقة بين الجانبين وإعادة فتح قنوات الحوار والتواصل بين العرب والإيرانيين.

4- دعت إلى قيام (تفاهم أميركي- إيراني) ضمانةً لأمن الخليج وحماية المصالح الأميركية.

5- تبنت طرح (اتفاقية للتجارة الحرة) للتعاون بين دول الخليج وإيران، وابتعدت عن سياسة المحاور والاستقطاب.

6- رفضت رسمياً المشاركة في مشروع (مظلة الدفاع الأميركية) لحماية أمن الخليج.

7- وقعت مع الجانب الإيراني (اتفاقية للتعاون الأمني) عام 2009 من ضمن سبع اتفاقيات في مجالات أخرى.

8- اشتركت في مشروع استثمار (حقل غاز كيش) الإيراني، الذي يحتوي على احتياطي قدره (48) تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

9- نأت عن كل أشكال المواجهات السياسية والإعلامية مع إيران، والتزمت سياسة التهدئة.

10- حثت الأميركيين على التأني في قراراتهم والتفحص الدقيق في عدم المضي قدما وراء مطالبات بعض زعماء العالم بشن حرب على إيران) طبقا لتسريبات (وثائق ويكيليكس) الأخيرة التي نشرتها عدة صحف عالمية ضمن أكثر من ربع مليون وثيقة سرية صادرة عن السفارات الأميركية حول العالم.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s